محمد بن محمد ابو شهبة

82

المدخل لدراسة القرآن الكريم

وأيضا فالقرآن على نزوله مفرقا ، وتباعد ما بين أزمان النزول يكوّن سلسلة ذهبية مترابطة الحلقات متآخية الفقرات ، منسجمة الشكل ؛ لا تنبو كلمة عن كلمة ، ولا تنفر آية من آية ، بل كله في غاية الفصاحة والبلاغة والإحكام ، ولا يسمو بأسلوبه في بعض الآيات وينزل في البعض الآخر ، ولا تنبل الغاية والمقصد في بعض الآيات ، وتسف في البعض الآخر مما يدل أعظم الدلالة على أنه ليس من عند بشر . ولو أنك نظرت في مؤلفات أديب من الأدباء ، مهما بلغ ، فإنك - لا شك - واجد تفاوتا بيّنا بين ما ألفه في أول حياته ، وما ألفه في آخر حياته سواء أكان في لفظه ومعانيه ، أم في أغراضه ومراميه ، أم في أسلوبه وتفكيره . وإذا كان القرآن لم يأت على غرار ما يصنع البشر ، فقد تعين أن يكون من عند اللّه خالق القوى والقدر . هذا . . وليست هذه نهاية الحكم ، فهناك لمن أحكم النظر ، وأجال البصر حكم وحكم . تتمّة : الذي استقرئ من الأحاديث الصحيحة وغيرها ، أن القرآن كان ينزل به جبريل على النبي صلى اللّه عليه وسلم بحسب الحاجة : خمس آيات ، وعشر آيات ، وأكثر أو أقل . وقد صح نزول العشر الآيات في قصة « الإفك » جملة ، وصح نزول عشر آيات من أول سورة « المؤمنون » جملة ، وصح نزول : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وحدها ، في قوله تعالى : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ . . . [ سورة النساء : 95 ] الآية ، وكذلك قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ سورة التوبة : 28 ] نزل بعد أن نزل أول الآية ، كما حرره الإمام « السيوطي » في « أسباب النزول » وقد ورد في بعض الآثار نزول بعض السور